محمد متولي الشعراوي
2620
تفسير الشعراوى
نسمع كلمة « بهتان » فهي مأخوذة من مادة « بهت » . والبهتان هو الأمر الذي يتعجب من صدوره من فاعله . مثال ذلك قوله الحق في شرح قضية سيدنا إبراهيم مع النمرود ، حيث يقول سبحانه على لسان سيدنا إبراهيم : فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ ( من الآية 258 سورة البقرة ) فماذا كان موقف الرجل ؟ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ ( من الآية 258 سورة البقرة ) أي أنه سمع شيئا عجيبا يخرسه عن أن يتكلم ؛ فقد جاء له سيدنا إبراهيم بأمر عجيب لا يخطر على باله ، ولا يستطيع أن يجد منه مفرا ، فكأن الأمور المخالفة لمنطق الحق ولمطلوب القيم أمور غريبة عن الناس إنّها هي البهتان ، والدليل على ذلك أنها أمور يستتر فاعلها عن الناس . وإذا ما نظرنا إلى القضية التي نزلت الآية بسببها . وجدنا أن سارقا سرق وأراد أن يبرئ نفسه وأن يدخل في الجريمة بريئا . ويلصقها به ، وأن يرتكب المجرم الجريمة فهذا يحمّله إثما . أما أن ينقل الجريمة إلى سواه فهذا يدل على وجود طاقة أخرى حتى يحتمل ما فعله ، وهذا صعب على النفس ، ولا يتعجب أحد لسماع شئ إلا إذا كان هذا الشئ مخالفا لما هو مألوف ومعروف . وإنّ في الحوار بين سيدنا إبراهيم والنمرود لدليلا واضحا وناصعا ؛ فعندما قال النمرود : أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ ( من الآية 258 سورة البقرة ) قصد بذلك قدرته على أن يقتل إنسانا ، ويترك إنسانا آخر لمسعاه . وهنا عاجله سيدنا إبراهيم بالقضية التي تبهته ولا يدخل فيها هذا التماحك اللفظي . فقال : فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ ( من الآية 258 سورة البقرة )